https://www.alnedaa.net/index.php?action=showNews&id=3416
| اقراء في شاشة النداء: |
الأربعاء , 5 مايو 2010 م | |
على هامش جائزة مؤسسة السعيد للثقافة والعلوم 2010 قضية للنقاش! د. سامي أمين عطا حجب الجائزة.. ضعف بحوث أم صرامة لجنة الحكم؟ قبل بضعة أشهر (في رمضان الفائت)، أقام اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين فرع عدن أمسية كرم فيها رئيس مؤسسة السعيد للثقافة والعلوم الأستاذ فيصل سعيد فارع، وعلى هامش هذه الأمسية، أثيرت قضية الحجب السنوي للجائزة في أكثر من مجال، وأذكر أن رئيس المؤسسة حينها قال: إن الحجب يأتي بسبب عدم ارتقاء البحوث المقدمة (على الرغم من كثرتها) إلى مصاف البحوث العلمية التي تستحق أن تمنح الجائزة، وقرأت وسمعت عدداً من وجهات النظر المتذمرة من قرارات لجان تحكيم المؤسسة، هذه قضية تستحق منا النقاش المستفيض، وعلى هذا الأساس جاء مقالنا هنا؛ فأين الخلل؟ هل الخلل في لجنة استلال الأبحاث التي تعتمدها المؤسسة أم في الأبحاث؟ إن من يتابع جذور هذه المسألة، سيجد أنها مسألة قد تم التنبيه لها مبكراً؛ فمنذ 30 عاماً أو نحوه أشار أستاذنا أبو بكر السقاف (أطال الله عمره) إلى هذه المسألة في مقالين: أحداهما نُشر في مجلة الحكمة عدد أبريل /مايو 1983، والمقال عبارة عن إشادة برسالة دكتوراه لأحد الباحثين (أيمن فؤاد السيد) تحت عنوان "المذاهب الدينية في بلاد اليمن، وأثرها في الحياتين العقلية والسياسية في القرنين الخامس والسادس الهجري". والمقال الآخر نشر تحت عنوان "لم المنهج"، عبارة عن مقالة افتتاحية لمجلة دراسات يمنية التي تصدر عن مركز الدراسات والبحوث اليمني صنعاء عدد يوليو /أغسطس 1983، شكا أستاذنا من ضعف المنهج في كثير من الدراسات والبحوث في الجامعات العربية، ونبّه إلى أهمية وضرورة أن يمتلك الباحث ناصية المنهج عند الشروع في البحث، وخلص إلى أن ضعف الأبحاث يفصح عن "أزمة منهج" لدى الباحثين. تعالى الضجيج مؤخراً، في أكثر من مكان، حول ضرورة "جودة التعليم"، وانبرت أكثر من جامعة تناقش هذه المسألة؛ حتى بلغ الضجيج منتهاه؛ فاتسع إلى ضرورة "إصلاح التعليم الجامعي"، وعند تشخيص أسباب تدني مستوى المخرجات، اتجهت الأصابع تشير إلى مقررات الأقسام وضرورة تغييرها، ومع أنها ليست المرة الأولى التي يجري تغيير المقررات والمناهج، إلاّ أنه في كل مرة يجري التغيير فيها، تأتي مخرجات التعليم أسوأ من سابقاتها، والسؤال المهم، الذي يبرز هنا، أين الخلل؟ من خلال معرفتي المتواضعة أعتقد أن الخلل يكمن في أن هذه المشكلة كغيرها من المشكلات في المجتمع يجري التعامل معها باستخفاف وتبسيط مخل، مع أنها تمثل مفتاح حل معظم مشكلات المجتمع، لأنها تتعلق بفرع رئيس ومهم في التنمية الغائبة، أي التنمية البشرية؛ فالتنمية البشرية عماد التنمية وأساسها، ولا يمكن إحداث تنمية ما، ناهيك عن استمرارها، دون تنمية الموارد البشرية. منذ بدأت الأقسام جميعها في مختلف الجامعات بإحداث تغييرات في مقرراتها، وهي تعمل كجزر معزولة بعضها عن بعض، يجري فيها إقرار مقررات للاستنهاج في التخصصات المختلفة بأنانية مفرطة، ودون رويّة، يتم إلغاء مقررات لها أهمية بالغة على اعتبار أنها مقررات لا لزوم لها أو يمكن الاستغناء عنها، مع أنها مهمة؛ فما هي المبررات المقنعة التي تجعل "علم المنطق" غير ذي أهمية لكافة التخصصات، مع أن كل الدارسين في الجامعات، سواءً الشرقية منها أو الغربية على اختلاف تخصصاتهم، يدركون أهمية دراسة علم المنطق، ناهيك عن "علم المناهج". بالإضافة إلى ذلك، ألا يعتبر مقرر "فلسفة العلوم" في مختلف التخصصات سواءً العلمية أو الإنسانية، مهماً؛ فلكل علم فلسفته، يتم من خلالها التعرف على مشكلاته تاريخياً ومنهجياً، كما يتم التعرف على حلول تلك المشكلات، ناهيك عن أن فلسفة العلم تفتح آفاق الدارس على مشكلاتٍ جديدةٍ تتطلب البحث والدراسة. ألا تتضمن العديد من التخصصات قيماً ومبادئ أخلاقية، ينبغي على الدارسين معرفتها؟ إن تغيير مقررات الأقسام المختلفة لا ينطلق من منطق المعرفة في بعديها الكلي والجزئي، العام والخاص. أي لا تنطلق من كوننا نتعامل مع عقل ينبغي صياغته وفق آلياته، وأهمها على الإطلاق، أولاً: البعد الكلي، أي تفجير قدرات العقل على التفكير بشمول، أما البعد الآخر: البعد الجزئي، أي تفجير قدرات العقل على التفكير بعمق، ولن يتأتى فعل ذلك إلاّ إذا تضمنت التخصصات المختلفة مقررات ذات الطابع الكلي كالمنطق ومناهج البحث وغيرهما. ضعف الأبحاث والدراسات يبدأ من هنا، ضعف في تأسيس الباحثين، لأن ضعف تكوينهم المعرفي يقود بالضرورة إلى ضعف قدراتهم البحثية. إن الباحث لا يمكن له أن يكون باحثاً متمكناً، ما لم يمتلك ناصية المنطق، أو كما درج على تسميته بـ"الارجانون"، أي الآلة العقلية، لما كان لا يمكن للمهندس الميكانيكي مثلاً، أن يكون بارعاً، دون أن يعرف تفاصيل المحرك ووظيفة كل جزءٍ فيه؛ فإنه بالمثل لا يمكن للباحث أن يكون باحثاً متمكناً دون أن يعرف كيف تعمل هذه الآلة، أي العقل. كيف تبني وتفكك، وكيف تركب وتحلل. والباحث دون منهج أو يفتقر إلى منهجية تفكير سليمة، يضل طريقه! دقَّ ناقوس الخطر مراراً؛ لكن لا حياة لمن تنادي. أعتقد أن من بيدهم سلطة القرار ويمتلكون مفاتيح إصلاح التعليم الجامعي، بوصفها مشروعاً كبيراً، يفتقرون إلى أهم قيمة أخلاقية في إنجاز الأعمال، وهي الشعور بالمسؤولية. المسألة برمتها لا تعدو أن تكون لديهم كونها مبرراً لمآرب أخرى لا علاقة لها بالإصلاح الجامعي، بل يتخذونها مبرراً انتهازيٍاً، يمنحهم مشروعية الحصول على ميزانيات ومخصصات، يشكلون بها لجاناً، ظاهرها الإصلاح، بينما باطنها الاستفادة وصرف الأموال؛ فتأتي نتائجها عبارة عن إيغال في الإفساد وتدهور التعليم الجامعي. إن الفحص النقدي للعديد من الأبحاث المنشورة في مجلات وحوليات محكِّمة يضعنا أمام كارثة، لأنها لم تضطلع بمهمة الارتقاء بالأبحاث العلمية وتقديم باحثين يتحلون بالمسؤولة العلمية، بل أسهمت في إفساد العلم والحط من شأن الألقاب، لأنه جرى منح الألقاب في معظم الحالات إلى من يفتقرون لأبجديات البحث العلمي. فأفصحت عن انعدام المسؤولية العلمية للقائمين عليها، فأنتجت لنا غثاء السيل هذا، ألقاباً علمية دون أن يرافقها تحسن في قدرات الباحثين أنفسهم، حيث عجز معظمهم عن الانطلاق إلى رحاب النشر في فضاء المجلات والدوريات العربية المحكّمة أو المشاركة في الندوات الخارجية والمؤتمرات العلمية، إلاّ في ما ندر. ولم يدرك القائمون على التعليم العالي، أن ما يعطي قيمةً وسمعةً حسنةً للكليات والجامعات هو انفتاحها على النشر في الدوريات، ومشاركة باحثيها في الندوات الخارجية، حيث يجري تعقيد مشاركة الباحثين الجادين في مثل هذه الندوات. إن أحد أسباب هذا القصور، يرجع إلى قانون الجامعات ذاته، الذي حدد بموجبه شروط الترقية -على الرغم من أنه لم يتم العمل به وتم تجاوزه في أحايين كثيرة- مقرونة بزمن ينبغي استيفاؤه (5 سنوات). وهذا أمر لا خلاف عليه، لكنه كان ينبغي أن يكون هناك استثناء أو مادة تعطي للموهوبين والباحثين الجادين أحقية الترقية إذا كان بمقدورهم إنجاز أبحاث متميزة في زمن أقل (3 سنوات) مثلاً، واستلالها لا يتم إلاّ من خلال مريزين على درجة عالية من الصرامة. إن قضية ضعف الأبحاث والدراسات تنم إما عن ضعف واقعها أو سوء في إدارة وتوظيف مواردها. إن مجتمعاً ما يفتقر إلى وجود باحثين على مستوى معقول من القدرات والمهارات يدل إما على خلل في منظومة التعليم فيه أو سوء إدارة موارده المادية، وإذا ما طالعنا تقرير التنمية الثقافية للأمم المتحدة الخاص بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا للعام 2009، ندرك أن حُسن إدارة الموارد البشرية، ولو كان حجم هذه الموارد ضئيلاً، يمكن له أن يتسم بالكفاءةِ أيضاً؛ لنأخذ المملكة المغربية مثلاً، إن حجم ما يصرف على التعليم فيها بالنظر إلى موازنة البلد، يتشابه مع وضعنا، لكن كفاءة التعليم وسمعة الجامعات المغربية يتفوق كثيراً على سواها من الجامعات، حتى الخليجية منها ذات الإمكانيات المادية الضخمة. إن الباحث المتميِّز، بحاجة إلى مؤسسات بحثية، تتهيأ فيها الظروف المناسبة للتميز، إنه بحاجة إلى جامعة توفر ألف باء التميُّز. إن أول هذه الظرف يقوم على الاستقلالية، إذ ينبغي أن تكون المؤسسات البحثية؛ مراكز وجامعات، مستقلة إدارياً ومالياً، لأن التدخل في شؤونها يُفسدها، بينما هناك شرط آخر لا يقل عن سابقه، يتمثل بحرية البحث العلمي. لم يدرك المجتمع بعد، أن وظيفة الجامعات والمراكز البحثية تختلف كليةً عن سواها من مؤسسات وهيئات المجتمع؛ فالجامعة عبارة عن "مفاعل تخصيب العقول" (إدوارد سعيد)، ولا يُحفز هذا المفاعل إلاّ حينما تكون هناك عناصر يحكمها منطق الاختلاف وتنوع الرؤى وتعددها، وفي ظل مناخ بحثي كهذا، يقوم على مبدأ التنوع والتعدد، ناهيك عن الاختلاف، يتم خلق الكفاءات. أما خلق مجتمع الثراء المعرفي والكفاءات المتميزة، فلا يقوم على المحسوبية والعلاقات الشخصية، بل يقوم على روح التنافس وإرساء قواعد للندية تحكم الجميع، كي يبرزوا مواهبهم وكفاءتهم. أما حين تكون الجامعات والمراكز البحثية مسرحاً للمحاصة، أياً كانت شكل هذه المحاصة، حزبية أو قبلية أو جهوية، فإنها لا تغدو مكاناً لإنتاج التخلف، بل مكاناً لإعادة إنتاجه أيضاً. كما لا يمكن للأبحاث والدراسات الجادة أن تبرز في مجتمع يقيم جداراً من التابوهات، وتحركه ذهنية التحريم والتجريم. تزداد رصانة وجدية البحث العلمي، كلما ازدادت فسحة الحرية أمام الباحثين. إن نجاح أية إدارة أو مؤسسة له عنصران: العنصر الأول يتمثل في الحقوق، أما العنصر الثاني فيتمثل بالواجبات؛ فالحقوق مقدمة على الواجبات، بمقدار الحقوق الممنوحة لأعضاء المؤسسة تكون الواجبات الملزمة. كما أن هناك مبدأً مهماً للإدارةِ الناجحةِ، يتمثل في مبدأ الثواب والعقاب. وهذا المبدأ تعاني من غيابه إداراتنا المختلفة، فهو يعيش قصوره الذاتي والعطالة منذ زمن، لن تستقيم حياتنا إلاّ إذا تم إحياؤه. وهذان العنصران يشكلان، العامل الأول لأية نهضة تعليمية. أما العامل الآخر، فإنه يتمثل في المعرفة ذاتها ومدى استيعاب القائمين عليها حجم المشكلة وطريقة الحل؛ فمنذ بدأت عملية الإصلاح في التعليم الجامعي، والقضية تراوح مكانها أو تعود القهقرى خطوات إلى الخلف، حتى بتنا شعباً يسير في الاتجاه المعاكس. إن إقرار مقررات لا تقوم على أسس منهجية سليمة، يؤدي إلى فوضى تعليمية كاسحة تهدر الطاقات والإمكانيات. ينبغي على الباحثين والمؤسسات والمراكز البحثية والجامعات الاهتمام بقضية المنهج؛ فالإنتاج الفكري (إن كان موجوداً) اليوم خبط عشواء، لا الأكاديميون يفكرون بالشكل الصحيح وفق نسقٍ منهجيٍ، ولا السياسيون يفعلون ذلك، التفكير المنهجي يفضي إلى الإقناع، أما التفكير الذي نشهده في حياتنا، ليس إلاّ هذر أو هذيان يفرضان بقوة الغلبة والإكراه؛ فشتان ما بين التفكير والهذر أو الهذيان؛ فالأول ينتج عن عقل، وبالتالي منهج، أما الثاني فإنه لا يحتاجُ إلاّ إلى البله. إن أهداف التعليم الجامعي تختلف كليةً عن التعليم ما قبل الجامعي، فإذا كان الثاني يقوم على نقل المعارف بمجملها وتهيئة التلميذ تدريجياً، حتى يصل إلى أعتاب الجامعة مهيأً للاستقلال الفردي، حينها تبدأ الجامعة بأخذه إلى مرحلة التفكير المستقل. وفي الجامعة يبدأ الطالب مرحلة تخليق الأفكار وإبراز المواهب، وتفجير طاقاته، ويستقل بتفكيره رويداً رويداً. نحن أحوج ما نكون إلى إعادة النظر في مقرراتنا، مع الأخذ بعين الاعتبار القضايا السابقة. عوداً على بدء، ينبغي ألا نغفل أن الحرية؛ حرية البحث والباحث، مسألةً أساسية، فلا إبداع دون حرية؛ فالحرية عامل رئيسي لأي نشاطٍ ذهني خلاّق، من دونها سنظل نصارع طواحين الهواء دون فائدة. من هنا نصل إلى خلاصة، أن حجب الجائزة لا يتعلق بصرامة لجنة الحكم -وهو أمر لابد منه- بل ضعف في إعداد الباحثين، ونرى أنه في ظل هذا الضعف على القائمين على مؤسسة السعيد، ألا يحدِّدوا مواضيع بعينها، بل يتم منح الجوائز، لأفضل الأبحاث في المجالات، مهما كان موضوعها، أو يتم المزاوجة بين الطريقتين، في حال عدم ارتقاء الأبحاث إلى المعايير العلمية، يتم منحها لأفضل الأبحاث في نفس المجال من بين الأبحاث المنشورة خلال العام، لأننا مجتمع علمي فقير بالباحثين في المجالات المتخصصة. |